الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
93
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
على كل حال فإن سياق الآيات السابقة يشير إلى ثواب المؤمنين في يوم القيامة ، وفي هذه الآيات يتحدث عن ثوابهم الدنيوي فيقول : وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ننزل عليهم مطر رحمتنا ، ونذلل لهم منابع وعيون الماء الذي يهب الحياة وبوجود الماء يوجد كل شئ وعلى هذا فإننا نشملهم بأنواع النعم . " غدق " على وزن شفق ، وتعني الماء الكثير القرآن المجيد اكد ولعدة مرات على أن الإيمان والتقوى ليست فقط منبعا للبركات المعنوية ، بل تودي إلى زيادة الأرزاق والنعم والعمران ، أي ( البركة والمادية ) . ( لنا بحث مفصل في هذا الباب في نفس المجلد في تفسير سورة نوح ( عليه السلام ) ذيل الآية 12 تحت عنوان الرابطة بين الإيمان والتقوى وبين العمران ) . الملاحظ حسب هذا البيان أن سبب زيادة النعمة هو الاستقامة على الإيمان ، وليس أصل الإيمان ، لأن الإيمان المؤقت لا يستطيع أن يظهر هذه البركات ، فالمهم هو الاستقامة والاستمرار على الإيمان والتقوى ، ولكن هناك الكثير ممن تزل أقدامهم في هذا الطريق . والآية الأخرى إشارة إلى حقيقة أخرى بنفس الشأن ، فيضيف : لنفتنهم هل أن كثرة النعم تتسبب في غرورهم وغفلتهم ؟ أم أنها تجعلهم يفيقون ويشكرون ويتوجهون أكثر من ذي قبل إلى الله ؟ ومن هنا يتضح أن وفور النعمة من إحدى الأسباب المهمة في الامتحان الإلهي ، وما يتفق عليه هو أن الاختبار بالنعمة أكثر صعوبة وتعقيدا من الاختبار بالعذاب ، لأن طبيعة ازدياد النعم هو الانحلال والكسل والغفلة ، والغرق في الملذات والشهوات ، وهذا ما يبعد الإنسان عن الله تعالى ويهئ الأجواء لمكائد الشيطان ، والذين يستطيعون أن يتخلصوا من شراك النعم الوافرة هو الذاكرون لله